أستاذ الدراسات الصينية. المدير التنفيذى لمعهد كونفوشيوس جامعة قناة السويس.
الكلية المصرية الصينية للتكنولوجيا التطبيقية بجامعة قناة السويس نموذجًا
في زمنٍ لم تعد فيه التنمية تُقاس بعدد المشروعات وحدها، بل بقدرة الدول على صناعة الإنسان القادر على تشغيل تلك المشروعات وحمايتها وتطويرها، يبرز التعاون المصري الصيني في مجال التعليم التقني بوصفه أحد أعمق أشكال الشراكة وأكثرها أثرًا واستدامة. فحين تلتقي خبرة الصين الصناعية الواسعة مع الحاجة المصرية إلى كوادر تقنية مدرّبة، لا يكون اللقاء مجرد تبادل أكاديمي، بل يتحول إلى استثمار طويل المدى في المستقبل، وإلى ترجمة عملية على الأرض لمبادئ مبادرة الحزام والطريق التي لا تقتصر على الطرق والموانئ والممرات اللوجستية، بل تمتد إلى جسور المعرفة والمهارة والإنتاج. وفي هذا السياق، تبدو الكلية المصرية الصينية للتكنولوجيا التطبيقية بجامعة قناة السويس مثالًا حيًّا على التعاون المثمر بين جامعة قناة السويس وجامعة بكين لتكنولوجيا المعلومات ومؤسسة مصر الخير في تدشين مؤسسة تعليمية متميزة تحمل رؤية تنموية واضحة، وتخاطب سوق العمل بلغة الكفاءة لا الشهادة وحدها.
حيث تأسست هذه الكلية في عام 2018 باعتبارها أول كلية مصرية صينية متخصصة في التكنولوجيا التطبيقية، في خطوة عكست وعيًا مبكرًا لجامعة قناة السويس بأهمية التعليم التقني في خدمة الصناعة والاقتصاد القومي. ومنذ تدشينها، حُمّلت الكلية برسالة تتجاوز الإطار التقليدي للتعليم العالي؛ فهي لا تريد أن تخرّج طالبًا يحفظ المعلومة فحسب، بل خريجًا يمتلك مهارات علمية وعملية، وقدرة على التكيف مع بيئات العمل الحديثة، وإلمامًا باللغة الصينية التي أصبحت في هذا السياق جزءًا من أدوات التمكين التقني وليست مجرد مادة إضافية.
وتكشف فلسفة الدراسة في الكلية عن هذا المنهج العملي بوضوح شديد. فالدراسة تعتمد على الجانب التطبيقي بنسبة تتراوح بين 60 و70%، وتمتد لأربع سنوات، مع تنفيذ مشروعين للتخرج في الفصل الدراسي الأخير داخل الشركات الصينية العاملة في مصر والمرتبطة بالتخصص. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ توفر الكلية تدريبًا في الصين لمدة شهر، إلى جانب رحلات علمية للمصانع والشركات داخل مصر، في دلالة على أن الهدف ليس التعليم النظري، بل إعداد الطالب ليكون جزءًا من سلسلة الإنتاج، وقادرًا على فهم الماكينة، وخطوط التشغيل، ومعايير الجودة، وأخلاقيات العمل الصناعي الحديث.
ومن أهم ما يميز الكلية أيضًا أنها قد أُنشأت لتلبي حاجات سوق العمل الحقيقي. فالأقسام الثلاثة التي تضمها الكلية ترتبط ارتباطًا مباشرًا بقطاعات حيوية في الاقتصاد المصري. فخريج قسم الاتصالات يجد نفسه مؤهلًا للعمل في شركات صيانة شبكات المحمول، والبرمجة، والخوادم، وأجهزة المراقبة، ومحطات الأقمار الصناعية، وشركات الكهرباء. أما خريج الإلكترونيات، فمجالاته تمتد إلى تصنيع الراديو والتلفزيون، ومكونات الإضاءة الكهربائية، وبعض التطبيقات المرتبطة بتصنيع السيارات والغزل والنسيج. وخريج الميكاترونيك يفتح أمامه مجال واسع يشمل السيارات الكهربائية، وحفر آبار البترول، وصيانة الأجهزة الطبية، والتحكم الصناعي، وصناعة المكونات الكهربائية. هذه الخريطة المهنية ليست تفصيلًا ثانويًا، بل هي جوهر الفكرة التي قامت عليها الكلية: التعليم من أجل التشغيل، والمعرفة من أجل الإنتاج، والمهارة من أجل التنمية.
وتزداد أهمية هذا النموذج حين نضعه داخل الإطار الأكبر لمبادرة الحزام والطريق. فجامعة قناة السويس تعتبر أول وأكبر جامعة مصرية اقامت علاقات علمية وثقافية مع الصين.
حيث نجحت الكلية في الربط بين الدراسة وسوق العمل، حيث حققت نموذج "صفر بطالة" من خلال تعيين جميع خريجيها في مؤسسات وشركات مختلفة. ومهما اختلفت العبارات الصحفية في توصيف الإنجاز، فإن المعنى واحد: هذه ليست كلية تمنح أوراقًا، بل مؤسسة تصنع مسارًا مهنيًا واضحًا لخريجيها.
ولا يقل أهمية عن ذلك أن الكلية بدأت تتخذ موقعًا بحثيًا أكثر رسوخًا داخل الجامعة. ففي مايو 2025 استضافت الكلية أول مؤتمر سنوي للدراسات العليا بعنوان "التقنيات الإبداعية والمبتكرة من أجل التنمية المستدامة"، وهو عنوان يعبّر بوضوح عن انتقال التعليم التقني من كونه مسارًا للتأهيل المهني فحسب إلى كونه أيضًا حاضنة لإنتاج المعرفة التطبيقيـة. فحين يجتمع التعليم والصناعة والبحث تحت سقف التنمي ة المستدامة، يصبح التعليم التقني جزءًا من مشروع وطني أشمل، لا مجرد استجابة مؤقتة لاحتياجات السوق. وتؤكد الجامعة في تعريفها الرسمي لذاتها أنها تسعى إلى أن تكون رائدة ومتميزة في التعليم العالي والبحث العلمي وخدمة المجتمع محليًا وإقليميًا ودوليًا، وهو ما ينسجم مع فلسفة هذا النموذج المشترك.
فرمزية الكلية الأعمق حدود القاعات والبرامج والامتحانات. فالكلية المصرية الصينية للتكنولوجيا التطبيقية تمثل، في جوهرها، صورة مصغرة للعلاقات المصرية الصينية حين تبلغ أفضل حالاتها: تعاون قائم على المنفعة المتبادلة، والاحترام المتبادل، والاشتغال على المستقبل لا على الماضي، وعلى بناء القدرات لا على تبادل المجاملات. وهي من هذا المنظور ليست كلية "صينية" بالمعنى الجغرافي، ولا "مصرية" بالمعنى الإداري وحده، بل هي مساحة التقاء حضاري ومعرفي، يتعلم فيها الطالب أن التكنولوجيا لا وطن لها حين تُسخَّر لخدمة الإنسان، وأن اللغة الصينية هنا ليست بوابة ثقافية فحسب، بل جسر مهني يربط الخريج بالشركات والاستثمارات وسلاسل الإمداد ومراكز التشغيل. ومن ثمّ، فإن قيمة هذه الكلية تكمن في أنها تؤكد أن التعليم التقني، إذا أُحسن تخطيطه وربطه بالصناعة، يمكن أن يكون أحد أقوى روافد القوة الناعمة بين مصر والصين.
وأخيرًا في لحظةٍ تتسع فيها منافسة الدول على الكفاءات والتخصصات الدقيقة، تبدو التجربة المصرية الصينية في جامعة قناة السويس درسًا عمليًا وواقعيًا في كيفية تحويل الشراكة الدولية إلى بنية تعليمية منتجة. فبدل أن تبقى مبادرة الحزام والطريق شعارًا عابرًا في الخطاب السياسي، فقد تم تدشين هذه الكلية الفريدة في رسالتها كترجمة عملية على أرض الواقع من خلال طالب يتعلم، ومعمل يدرّب، وشركة تنتظر خريجًا جاهزًا، ومجتمع يستفيد من مهارة جديدة، ودولة تبني قاعدة بشرية قادرة على مواكبة التحول الصناعي والتكنولوجي في الجمهورية الجديدة.
وبناء عليه، لا تُقرأ الكلية المصرية الصينية بوصفها حالة منفردة فحسب، بل بوصفها نموذجًا قابلًا للتعميم والتوسع. فهذا الصرح العلمي هو شهادة حق على أن المستقبل لا يُستورد جاهزًا، بل يُصنع داخل حرم جامعة قناة السويس، حيث تتصافح المعرفة مع العمل، وتلتقي الرؤية مع التنفيذ، ويتحوّل التعاون المصري الصيني إلى طاقة فاعلة متجددة في خدمة وبناء العلاقات المصرية الصينية في عيد تأسيسها السبعين.
أ.د. حسن رجب
-أستاذ الدراسات الصينية.
- مدير معهد كونفوشيوس جامعة قناة السويس.
-عضو المجلس المصرى للشئون الخارجية.